المحقق البحراني

77

الكشكول

مرصع بأنواع الدرر والجواهر على أربع قوائم من عظم الفيل ، فأمرته بالجلوس وفتحت عينيه فتعجب من زينة القصر ونظافته ورآها دارا من دور الملوك والأكابر فجلس متفكرا فإذا بالعجوز قد صفقت بيديها فخرج من القصر عشر جوار كأنهن الأقمار وبينهن جارية كأنها الشمس الضاحية في السماء الصاحية ، فلما رآها التاجر غاب عن الوجود وافتتن بها ووقع مغشيا عليه ، فلما أفاق رفع رأسه وسلم عليها فردت عليه السلام وجلست إلى جنبه وبقيت تمازحه وتلاعبه ، فخرس عن الكلام مما أصابه من الدهش والهيام وعلمت ما عنده من الوجد والغرام فقالت : العجوز : ما تقول يا غلام في هذه الصبية التي تخجل البدر التمام وما هي إلا فوق رضاك ومناك ؟ فانهض وأحضر القاضي ليوقع لك عقد النكاح . فقال : ما أنا بحال ممن أساوره وأشرفه على حالي . فقالت : وأي وقت يكون الميعاد ؟ فقال : لها غداة غد إن شاء اللّه أمالي ، فأخرجت العجوز المنديل وعصبت عينيه وأخذت بيده تقوده حتى أخرجته إلى طريق لا يدري أين هو ، ثم مضى إلى دكانه وخاطره مشغول بتلك الصبية فجلس ساعة في دكانه ثم أغلقه ومضى إلى داره ودخل على أخته وحكى لها ما جرى له مع العجوز ، ثم قال يا أختاه ما عندك من الرأي ؟ فقالت يا أخي تخير لنفسك ما تريد ولكن لا تزرع تبرك إلا في أرض زكية ولا يغرنك الحسن والجمال حتى تختبر الأصل والأدب والكمال فقال : يا أختاه ان هذه المرأة التي خطبتها لا يخفى عليك من بنات الملوك ، فقالت : يا أخي ان رضي قلبك بذلك فبارك اللّه لك فيها ، ولكن غرضي منك أن لا تخبرها بأن لك أختا ، فإذا دخلتها في دار أبيك انقلني إلى دار أخرى وأشرج الباب ما بيننا حتى لا تعلم بي لأنها ان علمت بي وجب علي أن اتراود إليها فاعتزل أنت وزوجتك عني حتى أشتغل بعبادة ربي وأدعو لك في خلواتي ، فباللّه عليك لا تشغلني بأشغال الدنيا وأهلها فاغتاظ أخوها من قولها ثم طردها من دار إلى دار أخرى وسد الباب بينهما وكانت له جارية كبيرة من جواري أبيه يقال لها صالحة ، وكانت صالحة كاسمها فقال لها : انفردي مع أختي واقضي لها أشغالها وقد جعلت لكما من القوت ما يكفيكما مدة من الزمن ، فإذا نفد فلكما غبره . ثم بات في داره إلى الصباح وقلبه متعلق بالصبية ، فلما أصبح إلى الدكان وجلس فإذا بالعجوز قد أقبلت وسلمت عليه فقام إليها وأكرمها ورحب بها فقالت له : أشاورت ؟ قال : نعم وأنا في انتظارك ، ثم أوصى غلمانه بالدكان ونهض لدار العجوز وتبعها وهي تمشي بين يديه حتى أتت به إلى ذلك القصر وأدخلته وأجلسته على السرير ، ثم صفقت بيديها وإذا قد طلع من القصر خادمان أحدهما أكبر فقالت